بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: قال الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني الشافعي رحمنا الله وإياه في كتابه بلوغ المرام من أدلة الأحكام، كتاب الجامع، باب الترغيب في مكارم الأخلاق، قال: وعن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد» أخرجه مسلم.
في هذا الحديث من الفوائد الحث على التواضع والأمر به، وهو خلق كريم من أخلاق أهل الإيمان، وقد أوحاه الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك عناية بشأنه.
معنى التواضع وحقيقته
التواضع أن يتذلل العبد ويستسلم عند أوامر الله تعالى فيمتثلها، وعند نواهيه فيجتنبها، ويتواضع فيما بينه وبين الناس. قال الحسن: التواضع أن تخرج من منزلك ولا تلقى مسلمًا إلا رأيت له عليك فضلًا.
وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتواضع لعباد الله المؤمنين، فقال سبحانه وتعالى: ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾ [الشعراء: 215]، يعني: ألن لهم جانبك. وإطلاق العرب خفض الجناح كناية عن التواضع، ولين الجانب أسلوب معروف في كلامهم.
تواضع النبي صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على التواضع ورغّب فيه بقوله وفعله. أما القول فكما في حديث الباب، وأما الفعل ففي سيرته صلى الله عليه وسلم نماذج كثيرة تدل على أنه أشد الناس تواضعًا، وأقربهم إلى الضعيف والمسكين، وأبعدهم عن الترفع والتكبر.
فقد جاء عن أنس رضي الله عنه أنه قال: «كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت».
وعنه رضي الله عنه أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: «يا رسول الله، إن لي إليك حاجة». فقال: «يا أم فلان، انظري أي السكك شئتِ حتى أقضي لك حاجتك». فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها. والحديث عند مسلم.
وعن الأسود قال: سألت عائشة: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: «كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت». والحديث في البخاري. وكان صلى الله عليه وسلم إذا مر على الصبيان سلم عليهم.
ثمرات التواضع ورفعة صاحبه
التواضع يرفع قدر المرء ويزيده نبلًا، وهو عنوان سعادة العبد ورفعته، ومحبة الناس له وثنائهم عليه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».
قال مصعب بن الزبير: التواضع مصايد الشرف. وقيل في منثور الحكم: من دام تواضعه كثر صديقه.
النهي عن الفخر والبغي
وفي هذا الحديث كذلك من الفوائد أن فيه نهيًا عن الافتخار والمباهاة بالمكارم والمناقب على سبيل الفخر والعلو على الناس. وهذا مذموم لأنه ضد التواضع، وهو منشأ الكبر، والخلق من أصل واحد، والنظر إلى العرض الزائل ليس من شأن العقلاء.
قال تقي الدين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: نهى الله سبحانه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم عن نوعي الاستطالة على الخلق، وهي الفخر والبغي، لأن المستطيل إن كان استطال بحق فقد افتخر، وإن كان بغير حق فقد بغى، فلا يحل لا هذا ولا هذا.
الفرق بين التحدث بالنعمة والفخر بها
وليس من الفخر التحدث بنعم الله سبحانه وتعالى، لأن المتحدث بنعم الله قصده الثناء على المنعم سبحانه وتعالى، والإخبار بصفات ربه جل جلاله وما أولاه من نعم، ويذكر محض جلاله سبحانه وتعالى وكرمه عليه. فهذا مثنٍ على الله تعالى بإظهار النعم، شاكرًا له، ناشرًا لجميع ما أولاه ربه سبحانه وتعالى من النعم.
وأما الفخر بالنعم فهو أن يستطيل بها على الناس ويريهم أنه أعز منهم وأكبر قدرًا، فيركب أعناقهم ويستعبد قلوبهم ويستميلها إليه بالتعظيم والخدمة، فينشأ من ذلك البغي والتكبر.
فنسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه أن يهدينا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا هو. ﴿اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾. اللهم إنا نستغفرك من كل ذنب وخطيئة ونتوب إليك. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل. نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.
هذا وبالله التوفيق، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
