بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، قال الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني الشافعي رحمنا الله وإياه في كتابه بلوغ المرام من أدلة الأحكام، كتاب الجامع، باب الترغيب في مكارم الأخلاق، قال: وعن عبد الله بن سلام قال: قال رسول الله ﷺ:
يا أيها الناس أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام. أخرجه الترمذي وصححه.
قصة حديث عبد الله بن سلام
وهذا الحديث أورده الحافظ ابن حجر مختصرًا، فإن الحديث له قصة. فقد جاء في الحديث أن عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله ﷺ، فجئت في الناس لأنظر إليه. فلما استبنت وجه رسول الله ﷺ عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: يا أيها الناس أفشوا السلام وذكر الحديث.
وفي هذا الحديث من الفوائد أنه دليل على أن الخصال المذكورة فيه من مكارم الأخلاق، وهي سبيل لمحبة الله ومحبة خلقه، فمن اتصف بها كسب هذا الأجر والثواب.
إفشاء السلام وصلة الأرحام
وأولى هذه الخصال إفشاء السلام ونشره بين الناس ، بحيث تسلم على كل من لقيت، سواء عرفته أم لم تعرفه. وتقدم الحديث عن السلام في باب الأدب وما يتعلق به من أحكام.
والخصلة الثانية المذكورة في هذا الحديث صلة الأرحام، وذلك بإيصال ما تيسر من الخير لهم ودفع ما أمكن من الشر عنهم. وهي تكون بالمال، وبالعون عند الحاجة، وبطلاقة الوجه، وبالدعاء، وبالسؤال عنهم، وبالتلطف معهم، وبزيارتهم.
ويختلف ما يجب على المسلم من صلة الأرحام باختلاف القدرة والحاجة، وصلة القريب غير صلة البعيد الذي يسكن في بلد آخر، وهكذا على الاعتبارات المذكورة والمفصلة في كتب أهل العلم.
فضل إطعام الطعام
والخصلة الثالثة إطعام الطعام، وقد جعله الله تعالى من الأسباب الموجبة للجنة ونعيمها والمباعدة من النار وعذابها. قال الله : ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا [الإنسان: 8-9].
وقال الله : فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبةفك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة [البلد: 11-16].
وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ: اتقوا النار ولو بشق تمرة، والحديث مخرج في الصحيحين. وقال ﷺ: أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني، والحديث في صحيح الإمام البخاري.
فضل الصلاة بالليل
والخصلة الرابعة من الخصال المذكورة في هذا الحديث، والتي تستوجب لصاحبها أن يدخل الجنة بسلام، يعني سالمًا من كل عذاب وكل أذى وكل شيء مخوف، هي الصلاة بالليل . وهي أفضل الصلاة بعد الصلاة المفروضة، فإن قيام الليل له فضل وقدر عند الله .
وقد أثنى الله على الخلّص من عباده بأنهم أصحاب قيام ليل . قال الله : إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون [الذاريات: 15-18].
وذكر الله في صفة عباد الرحمن أنهم: والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما [الفرقان: 64]. وقال الله : ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: 16-17].
فنسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعلنا من أهل قيام الليل وصلة الأرحام وإطعام الطعام وإفشاء السلام، وأن يجعلنا من الذين يدخلون الجنة بسلام برحمته وجوده وفضله وكرمه وإحسانه. اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى من الجنة.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم من أرادنا وأراد إسلامنا وبلادنا وشبابنا ونساءنا بسوء، اللهم أشغله في نفسه، اللهم اجعل كيده كيدًا به ومكره مكرًا عليه. اللهم إنا نعوذ بك من شر كل أفاك مجرم معتد أثيم، بقوتك وجبروتك يا جواد يا كريم يا قوي يا ذا العزة والانتقام.
اللهم عليك باليهود والمجوس، اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم، ونجعلك اللهم في نحورهم. وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
