بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: قال الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني الشافعي رحمنا الله وإياه في كتابه بلوغ المرام من أدلة الأحكام، كتاب الجامع، باب الترغيب في مكارم الأخلاق، قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان». أخرجه مسلم.
معنى المؤمن القوي في الحديث
وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم «المؤمن القوي» يعني: القوي في إيمانه وما يقتضيه. وهو الذي كمل في نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وكذلك سعى إلى تكميل غيره بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
وليس المراد كما يفهم كثير من الناس قوة البدن فحسب، إلا إذا كان في قوة البدن ما يزيد في إيمانه وما يقتضيه. لأن القوي وصف عائد على موصوف وهو المؤمن، فيكون المراد القوي في إيمانه وما يقتضيه.
إثبات المحبة وتفاوت الإيمان
وهذا الحديث فيه جملة من الفوائد والهدايات لأهل الإيمان. فمن هذه الفوائد: إثبات صفة المحبة لله تعالى على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى، وأنها متعلقة بمحبوبات الله تعالى وبمن قام بها من عباده، وأنها تتفاضل. فمحبته سبحانه وتعالى للمؤمن القوي أعظم من محبته للمؤمن الضعيف.
ومن فوائد الحديث أن الناس يتفاوتون في قوة الإيمان وضعفه، وهذا يؤيد القول الذي عليه أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص، لأن قوة الإيمان زيادة وضعفه نقص.
ومن فوائد الحديث كذلك أن المؤمنين يتفاوتون في الخير ومحبة الله تعالى والقيام بدينه، وأن الله تعالى يحب بعض المؤمنين أكثر من بعض. وأن المؤمن وإن ضعف أو كان فيه ضعف ففيه خير بقدر إيمانه وبقدر طاعته لله عز وجل.
الحرص على ما ينفع في الدين والدنيا
ومن فوائده كذلك أن فيه الحث على الحرص والاجتهاد في طلب الأمور النافعة في أمور الدين وأمور الدنيا. وكمال العبد في هذين الأمرين أن يكون حريصًا، وأن يكون حرصه على ما ينفعه أو ما ينتفع به، لأن العبد محتاج إلى الأمور الدنيوية كما هو محتاج إلى الأمور الدينية.
فإذا حرص على الأمور النافعة، واجتهد فيها، وسلك أسبابها وطرقها، واستعان بربه في حصولها وتكميلها، كان في ذلك كماله وعنوان فلاحه. فإن حرص على ما لا ينفعه، أو على ما ينفعه بغير حرص، فاته من الكمال بحسب ما فاته من ذلك.
وفي الحديث إشارة إلى أنه لا ينبغي للعاقل أن يُنضي جهده ويصرف وقته فيما لا نفع فيه، كما يجب عليه الابتعاد عن كل ما فيه ضرر في العاجل والآجل، لأن اجتناب الضار نفع للعبد. يدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك».
وجوب الاستعانة بالله في الأمور كلها
وكذلك في الحديث من الفوائد وجوب الاستعانة بالله تعالى في أمور الدين والدنيا، لأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على ذلك إلا الله جل جلاله. والاستعانة بالله تعالى تتضمن الخضوع لله تعالى والثقة به والاعتماد عليه.
ومناسبة أمره بالاستعانة بعد أمره بالحرص على ما ينفعه أن حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله تعالى، وبمشيئته وتوفيقه. فأمر بالاستعانة ليجتمع له مقام ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: 5]، لأن حرصه على ما ينفعه عبادة لله، ولا تتم إلا بمعونة الله، فأمره بأن يعبده ويستعين به.
وهنا ملحظ آخر، وهو أن الإنسان بقوته وحرصه على النافع وإدراكه ما يريد قد يغفل عن الاستعانة بالله عز وجل، وتغره نفسه بأن ما حصل له إنما حصل بحوله وقوته. فناسب أمره بالاستعانة بعد أمره بتحصيل ما ينفعه، لئلا ينسى الاستعانة بالله تعالى ولو على الشيء اليسير.
النهي عن العجز والإيمان بالقدر
ومن فوائده كذلك أنه ينبغي للإنسان أن يصبر ويثابر، ويحذر العجز والبطالة وتعطيل الأسباب، فالعجز مذموم شرعًا وعقلًا.
ومن فوائده كذلك إثبات القضاء والقدر، وأنه لا ينافي فعل الأسباب والسعي في طلب الخيرات، لأن ما قُدِّر لا بد أن يكون. فيجب الإيمان بالقدر والتسليم، وأفعال الله تعالى إنما تصدر عن حكمة وعلم وفضل وعدل.
النهي عن قول «لو» عند المقدور
ومن فوائد الحديث كذلك النهي عن قول «لو» في الأمور المقدرة التي حصلت ومضت، أو في شيء من أمور الدنيا، لأنها اعتراض على القدر، وفيها التسخط والندم وضيق الصدر وتجدد الأحزان على النفوس. وهذا باب ينبغي إغلاقه إذ لا فائدة فيه، ثم هو يخل بتوحيد العبد وقوة إيمانه، لأن الأمور كلها بقضاء الله وقدره، وما وقع منها فلا بد من وقوعه ولا يمكن رده.
وهذا أمر يقع فيه كثير من الناس، فيعتقد أنه يمكنه دفع المقدور لو فعل ذلك، وذلك يضعف رضاه وتسليمه وتفويضه وتصديقه بالمقدور، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
متى يجوز استعمال «لو»
وأما استعمال «لو» تندمًا على فوات الطاعة وتمنيًا للخير، أو في أمر مستقبل، فهذا جائز، كأن يقول: لو أن عندي مالًا لتصدقت على فلان. ومثل هذا إذا استعملت في الخير المحض، مثل قول أحدهم: لو حضرت الدرس لاستفدت.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي». فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لو علم أن هذا الأمر سيكون من الصحابة رضي الله عنهم. وقال آخرون: إنه ما سقت الهدي ولا أحل معهم، أو أنه لو استقبل الإحرام بالحج ما ساق الهدي ولا أحرم بالعمرة. وقال آخرون: إنه من باب التمني، وهذا فيه نظر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يتمنى شيئًا قدر الله خلافه.
التحذير من كيد الشيطان وحسن القول
ومن فوائد الحديث كذلك التحذير من كيد الشيطان، لأن له تأثيرًا على بني آدم، ومن ذلك إدخال الوساوس عليه.
ومن فوائد الحديث كذلك الإرشاد إلى الكلام الطيب والكلام الكريم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ولكن قل قدر الله وما شاء فعل».
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا وإياكم لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال، وأن يجعلنا من عباده المؤمنين وحزبه المفلحين وأوليائه الصادقين، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا وهدى وتوفيقًا وسدادًا. اللهم إنا ظلمنا أنفسنا ظلمًا كبيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لنا مغفرة من عندك وارحمنا، إنك أنت الغفور الرحيم. وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
