حديث (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى) – 1422

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الحافظ أحمد ابن حجر العسقلاني الشافعي رحمنا الله وإياه في كتابه بلوغ المرام من أدلة الأحكام، كتاب الجامع، باب الترغيب في مكارم الأخلاق.

قال: وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت». أخرجه الإمام البخاري.

معنى حديث إذا لم تستح فاصنع ما شئت

وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «إن مما أدرك الناس» أي: مما وصل إلى الناس وظفروا به. وقوله: «من كلام النبوة» أي: كلام أصحاب النبوة الأولى أو ذوي النبوة الأولى. وقوله: «إذا لم تستحِ» جاء في بعض النسخ بحذف الياء، وجاء في نسخ إثباتها، وقد تكلم العلماء في هذا وهذا.

وأما قوله: «فاصنع ما شئت» ففي رواية: «فافعل ما شئت». والعلماء اختلفوا في هذا الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم، «اصنع ما شئت» أو «افعل ما شئت»، اختلفوا في هذه الجملة على ثلاثة أقوال.

أقوال العلماء في معنى الأمر في الحديث

القول الأول: أنه أمر بمعنى التهديد والوعيد. والمعنى: إذا لم يكن عندك حياء فاعمل ما شئت فإن الله يجازيك عليه، كقوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ وكقوله سبحانه وتعالى: ﴿فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾. وعلى هذا يكون الحديث تعظيمًا لأمر الحياء، وهذا تفسير أبي العباس ثعلب.

والقول الثاني: أنه أمر بمعنى الخبر. والمعنى: أن من لم يستحِ صنع ما شاء، لأن المانع من فعل القبائح هو الحياء، فمن لم يكن له حياء انهمك في كل محظور. وهذا اختيار أبي عبيد القاسم بن سلام وابن قتيبة وغيرهم.

والقول الثالث في هذه الجملة «فاصنع ما شئت»: أنه أمر بمعنى الإباحة والإذن، أي: أمر بفعل ما شاء على ظاهر لفظه. والمعنى: انظر إلى ما تريد، فإن كان مما لا يُستحيا منه فافعله، وإن كان مما يُستحيا منه فدعه. وهذا قول جماعة من الأئمة منهم إسحاق المروزي، وحُكي مثله عن الإمام أحمد.

فضل الحياء وأثره في الأخلاق

وهذا الحديث فيه فضل الحياء كما تقدم في الحديث البارحة، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحياء من الإيمان». ففيه دليل على فضل هذا الخلق الكريم، وهو من أخص الأخلاق الفاضلة التي يُدعى الناس إليها وتُربى النفوس عليها.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا هو.

اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وأهلنا وأموالنا. اللهم استر عوراتنا وآمِن روعاتنا. اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا. اللهم إنا نسألك من فضلك العظيم. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. هذا وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *