قال الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني الشافعي رحمنا الله وإياه في كتابه بلوغ المرام من أدلة الأحكام: كتاب الجامع، باب الترغيب في مكارم الأخلاق. قال: وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق». أخرجه أبو داود والترمذي وصححه.
فضل حسن الخلق ومنزلته
في هذا الحديث من الفوائد أنه دليل على فضل حسن الخلق وعظيم منزلته عند الله تعالى، وأنه من أفضل ما يكون في ميزان العبد يوم القيامة، لأن الله تعالى يحب حسن الخلق ويرضى عن صاحبه. وهذه إحدى الفضائل الكثيرة والفوائد العظيمة لحسن الخلق.
فعلى العبد أن يكون حسن الخلق مع الله تعالى ومع عباده. وحسن الخلق مع الله تعالى هو الرضا بحكمه وشرعه وقضائه وتدبيره. وحسن الخلق مع عباد الله كما قال عبد الله بن المبارك في وصفه: هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى. وقد تواردت عبارات العلماء على فوائد حسن الخلق وما فيها من نعيم في الدنيا والآخرة.
معنى خذ العفو وأمر بالعرف
فقد اتفق الشرع والعقل على حسن الأخلاق ورفعة قدرها وعلو مرتبتها، ومدارها على قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ [الأعراف: 199]. أي: خذ ما تيسر وعفا وتسهل من أخلاق الناس، ولا تطالبهم بما لا تقتضيه طباعهم ولا تسمح به أخلاقهم. هذا فيما يأتيك منهم.
وأما ما تأتي إليهم فالأمر بالعرف، وهو نصحهم وأمرهم بكل مستحسن شرعًا وعقلًا وفطرة. ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ أي: أعرض عمن جهل عليك بقوله أو فعله. فلله ما أحلى هذه الآية وما أجملها وأجمعها لكل خير.
الدفع بالتي هي أحسن
وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ [فصلت: 34]. ﴿وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ [فصلت: 35]. ويمده الصبر والحلم وسعة العقل، وفضل هذا الخلق ومرتبته فوق ما يصفه الواصف.
من فوائد حسن الخلق
ومن فوائده كذلك أن صاحبه مستريح القلب مطمئن النفس، قد وطّن نفسه على ما يصيبه من الناس من الأذى، وقد وطّن نفسه أيضًا على إيصال النفع إليهم بكل مقدوره. وقد تمكن من إرضاء الكبير والصغير والنظير، وقد تحمل من لا تحمله في ثقله الجبال، وقد خفت عنه الأثقال. إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى في نقله عن فوائد حسن الخلق.
خلق النبي صلى الله عليه وسلم واللين والرفق
والله سبحانه وتعالى قد بيّن أن النبي صلى الله عليه وسلم قد آتاه الله أخلاقًا عظيمة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم: 4]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران: 159].
هذا وهو النبي الكريم والرسول المجتبى والمصطفى، وهم الصحابة الكرام. لو شدّد عليهم وكان غليظ القلب، وحاشاه عليه الصلاة والسلام، لانفض الصحابة من حوله، وحاشاهم رضي الله عنهم. وهذه الآية تبين ما في اللين والرفق من خير عظيم. وقد جاء في الحديث: «إذا أراد الله بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق».
إثبات الميزان يوم القيامة
ومن فوائد هذا الحديث كذلك أنه دليل على ثبوت الميزان الذي توزن به أعمال العباد يوم القيامة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ [الأنبياء: 47]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون﴾ [الأعراف: 8].
وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
هذا الحديث والآيات قبله يدلان على ثبوت الميزان يوم القيامة. فإن الأعمال توزن، وإن العاملين يوزنون، وكذلك صحائف الأعمال توزن يوم القيامة. فنسأل الله سبحانه أن يثقّل موازيننا.
اللهم ثقّل موازيننا، اللهم ثقّل موازيننا بالحسنات، واجعلنا عندك من المقبولين، واجعلنا من الصالحين، واجعلنا من ورثة جنة النعيم. هذا وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا.
